ابن قيم الجوزية

645

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

الشيطان ، لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة . فإن الشيطان لا يخضع له ولا يعبده ، كما يفعل هو به . والمقصود : أن هذا عبادة منه للشيطان . وإنما سماه استخداما . قال تعالى : 36 : 60 أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ؟ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وقال تعالى : 34 : 40 ، 41 وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ : أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ؟ قالُوا : سُبْحانَكَ ، أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ، أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ . فهؤلاء وأشباههم عباد الجن والشياطين . وهم أولياؤهم في الدنيا والآخرة . ولبئس المولى ، ولبئس العشير . فهذا أحد النوعين . والنوع الثاني : من يعينه الشيطان ، وإن لم يستعن هو به . وهو الحاسد . لأنه نائبة وخليفته . لأن كليهما عدو نعم اللّه ، ومنغصها على عباده . فصل وتأمل تقييده سبحانه شر الحاسد بقوله « إذا حسد » لأن الرجل قد يكون عنده حسد ، ولكن يخفيه ، ولا يرتب عليه أذى بوجه ما ، لا بقلبه ، ولا بلسانه ، ولا بيده ، بل يجد في قلبه شيئا من ذلك ولا يعامل أخاه إلا بما يحب اللّه . فهذا لا يكاد يخلو منه أحد إلا من عصمه اللّه . وقيل للحسن البصري : أيحسد المؤمن ؟ قال : ما أنساك لإخوة يوسف . لكن الفرق بين القوة التي في قلبه من ذلك وهو لا يطيعها ولا يأتمر بها ، بل يعصيها طاعة اللّه وخوفا وحياء منه ، وإجلالا له . أن يكره نعمه على عباده ، فيرى ذلك مخالفة للّه وبغضا لما يحب اللّه ، ومحبة لما يبغضه . فهو يجاهد نفسه على دفع ذلك ، ويلزمها بالدعاء للمحسود ، وتمنى زيادة الخير له ، بخلاف ما إذا حقق ذلك وحسده ، ورتب على حسده مقتضاة : من الأذى بالقلب ، واللسان والجوارح فهذا الحسد المذموم . هذا كله حسد